هل نساعد المحتاج أو التريند؟

هل نساعد المحتاج أو التريند؟
بقلم: سفيان صيام
من وصل للتريند نال المساعدة، ومن لم يصل ظل على رصيف النسيان، هذا ليس شعارا فارغا، ولا محاولة لتسطيح أمر هام، وإنما هو قانون المرحلة.
وليد طفل صغير في مستهل حياته، يوشك يخطو أولى خطواته في ظل هذه الظروف الصعبة التي يعيشها شعبنا، وقد أصيب بمرض في عينيه، نسأل الله له الشفاء ولجميع المرضى والأطفال أمثاله، وقد كسرت نظارته الطبية، ليستبدل زجاجها بنهر من الدموع البريئة التي ذرفتها هذه العيون المريضة، حزنا وكمدا ليس على المرض، فقد رضي وليد بمرضه، واستعان بالله عليه، ومن ثم استعان بنظارته التي تخفف عنه من آثار هذا المرض اللعين، فلما كسرت بكى حزنا على مساعده في تحمل مشقة المرض، وحق له أن يبكي، وقام شخص بتصويره، ومن ثم نشره على مواقع التواصل.
دموع وليد كانت مؤثرة بلا شك، كانت براءته التي تبكي أمام الشاشات الذكية، تستجلب استعطاف كل من شاهده، فمن ذلك الذي يملك قلبا لا يرق لمثل حال وليد، غير أن هذا الفيديو الذي سيطر على فضاء السوشيال ميديا، كان الطريق الموصل إليه لمساعدته، فانهالت عليه عروض المساعدة، وأصبح الجميع مهتم بوليد، وبتوفير نظارة لوليد، وألعاب لوليد، ومزاح مع وليد، وكأن الإنسانية كلها سخرت لصالح وليد.
إلى جانب المساعدات التي انهالت عليه، كان هناك شيء آخر مثل قانون المرحلة، فكما أن وليد لم يصل لمن قدم له المساعدة إلا عبر الكاميرا، فوجب أن تكون الكاميرا حاضرة في كل حكايات ومبادرات المساعدة التي قدمت لوليد، فهذا يصور، وهذا ينشر، وهذا يوزع الابتسام، ثم يقوم الكل بالنشر عبر هذا الفضاء المتسع الذي بات كالمقبرة لا يرد أحدا،
حصل وليد على نظارات عديدة، لكن غير وليد ممكن لم يملك الرؤية أو الامكانية أو النفسية التي تهيئه للظهور على السوشيال ميديا، بقي حبيس المعاناة والفقر والمرض، دون أن يفكر أحد بمساعدته، وكأن المؤسسات أو المؤثرين أو المبادرين لا يساعدون وليدًا أو غيره بقدر ما يساعدون الصورة أو مقطع الفيديو الذي ينتشر، وكأن لسان حالهم يقول إذا أردت أن نساعدك فاعرف كيف تصل إلينا، نحن لا نساعد المحتاجين، وإنما نساعد الفيديوهات والصور، وهذا ما يأخذنا إلى سياق آخر تماما فنحن نقوم بإعادة تدوير الحزن والبأس، ونعيد تدوير حاجات الناس، لصالح الفيديو والصورة، نحن لا نهدف لمساعدة الناس بقدر ما نطلب مساعدتهم، فنحن نستخدمهم باعتبارهم النفقات التشغيلية في إطار مشروعنا الربحي الخاص، بغض النظر عن نوع المشروع أكان تجاريا كما هو حال أغلب المبادرين، أو سياسيا كما هو حال بعض المؤسسات، ولا ينجو من هذا التصنيف إلا من رحم ربي.
مساعدة الفقراء في هذا الجو الموبوء لا يعدو أكثر من بضاعة مستهلكة أو معدات ضرورية لاستجلاب الأرباح بكل صورها.
هذا يأخذنا بالضرورة إلى تصنيف عجيب يعتمده الكثير من المؤسسات والمبادرين يتعلق بالنازحين والمحتاجين بالعموم، ويقوم على فكرة تنصيف الناس إلى مباني وخيام، وقصر المساعدات على النازحين في الخيام، على اعتبار أنهم أحوج من غيرهم، مع أن الملاحظة الدقيقة للوضع تظهر أن هذا التصنيف ليس دقيقًا بما يكفي لحرمان فئات كاملة من المحتاجين، بيد أن قانون المرحلة الذي يقوم على مساعدة الصورة لا المحتاج نفسه يقوم على مساعدة من يقطنون في الخيام فقط باعتبار أن تصويرهم يخدم فكرة المبادر بشكل أكبر فهو أكثر اقناعا للمتبرع، وأكثر خدمة للصورة العامة، حتى وإن كان هذا على حساب العدالة والمنطق، وتكدس المساعدات في أياد نسبة معينة ومحدودة في حين تحرم نسبة أكبر لأنها لا تخدم المشهد المصور الذي يبحث عنه المتبرع والمبادر.
نحن بحاجة حقة إلى نظام منصف وعادل ينظم عملية توزيع المساعدات بما يمنع تكديسها لدى فئات معينة وحرمان فئات أكبر، وكذلك يقلص من أهمية الصورة والفيديو والتريند في الحصول على هذه المساعدة، تطبيقا لشعار المساعدة لمن يحتاج وليس لمن ينشر على السوشيال ميديا.



